الخميس، مايو ٢٥، ٢٠٠٦

بضعة حجارة في بناية الشعار

خواطر

الأساسات ليست جذوراً...
الصورة الكُليّة هذا العام تختلف تماماً عن صورة العام الماضي وعن صور سابقة زراعيّة، ولهذا لا يجب اختزال صورة "البناية" إلى صورة قديمة.
الجذور نوعاً ما شخصيّة ولكلّ شخص جذوره وهي جزء من الشجرة لا يتجزّأ فهي خارجة من البذرة نفسها، والنبتة تضرب بجذورها في العُمق وتزداد عمقاً وهكذا.

الأساسات مختلفة بعض الشيء: الأساسات تُصَبّ قبل البناء، وتنتهي قبل وضع الحجر أو قالب الطوب الأوّل. الأساسات من مادّة مختلفة تماماً، وهذا مقصود تماماً فهي الدُعامات التي تحمي المبنى من الانهيار والتي ترفعه بشكل ما.
الأساسات يُخَطِّط لها مهندس بدقّة ثم يتم خلطها وصبّها وهكذا... الجذور تنبت من ذات نفسها، بلا خطّة مسبقة وبلا رسم دقيق....

أمّا من ناحية ما قد تعنيه اللفظة، فأعتقد أيضاً أنّ "الأساسات" تُعطي طابعاً خاصّاً وتكسب شعار العام الحالي كثيراً من غِناه:
فنحنُ نبدأ العام والأساسات قد صِبَّت بالفعل. لا أحد يذكُر متى صُبَّت وكيف ولماذا.. جئنا فوجدنا هُناك أساسات، وها نحنُ مدعوّون للبناء عليها. جميل أنّ هُناك من وضع الأساس وهُناك من يبني واثقاً تمامَ الثقة أنّ ما يبني عليه متين ومضمون.
==

هل البِناء هو المَلَكوت؟

يَبدو أنّ بالشعار تلميحاً أنّ البناء هو الملكوت. أليسَ كذلك؟
مع ذلك فهذا التلميح يطرح تحديّاً لحظيّاً: هل نبني حجراً على حجر في عام واحد لبناء الملكوت؟ ولِمَ لا؟

أعتقد أنّ كُلّ شعار كَكُلّ مثل من أمثال المسيح هو عن مَلَكوت السَموات... ولكِن؟ هل أغصان الكَرمة مَدعوّون في ٢٠٠٦ أن يبنوا ملكوتاً واثقين في أساساته؟ ماذا عن بُناة المَلكوت مُنذُ دعا إليه المسيح؟
أظنّ أنّ علينا تقبُّل الثُنائيّة الخالدة: العَمَل هو الملكوت ولكنّ العمل أيضاً هو "مشروع" يجب "إتمامه" بشكل أو بآخر خلال العام.
أكثر ما يرِدُ بخاطري تجاه هذا هو عبارة بولس الشهيرة: "لأنّنا نحنُ عمَله مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدّها لكي نسلُك فيها".... نحنُ العَمل ونحنُ مدعوّون لـ"أعمال"... نحنُ "الحجارة الحيّة" في الكنيسة وكذلك نحنُ مدعوّون لوضع حجر على حجر لبناء "عمل" ما علينا أن نكتشفه خلال العام.

أخشى أن نُحَوِّل الشعار نوعاً ما من روحانيّة مندمجة في العالم تستقي منه نداءات الله وتصبّ فيه أيضاً عمل الله إلى روحانيّة "شخصيّة" هدفها أن نرث الملكوت معاً ونقبل خلاص المسيح الممنوح لنا. ليس من عيبٍ في الأخيرة لكنّها ليست روحانيّة الأغصان، وهي كذلك الروحانيّة السائدة في عصر الانفراديّة والاستهلاكيّة.. لسنا هُنا لـ"استهلاك" خلاص "شخصيّ" منحنا ابن الله إيّاه بدمه، بل نحنُ هُنا لأنّنا أغصان كرمته والفعلة والوكلاء والرُسُل والتلاميذ المدعوّون لمهمّة محددة واثقين في الأساسات التي بُني عليها إيماننا، واثقين في من دعانا، واثقين في تكويننا، واثقين في من سَبَقَنا إلى أعمال أُخرى، واثقين في غاية من أرسلنا: ملكوت أبيه...
إذن...
لأنّنا واثقون في من دعانا،
ولأنّنا واثقون في عمله وعمل أبيه،
ولأنّنا واثقون في من وصّل لنا رسالته،
ولأنّنا واثقون في "جماعتنا/كنيستنا" المبنيّة على أساسات متينة لا تخلو من ضعفات وخطايا،
ولأنّنا واثقون في التكوين الذي حصُلنا عليه حتّى هذه اللحظة،
ولأنّنا واثقون في أنّ لا بديل لنا (فإلى من نذهب وكلام الحياة الأبديّة لديه)،
لنذهب ونبني بنايةً صغيرة في ملكوت أبيه،
ولنذه ونُبنَى أيضاً بشكل جديد هذا العام...
لنبني جزءاً في شخصيّتنا، فننمو
لنبني فِرَقاً وجماعات من المؤمنين/الشهود/تابعي المسيح/رُسُله،
لنبني مشروعات حيثُ الاحتياجات مُلِحّة،
لنكُن نحنُ أنفسنا حجارةً حيّةً في فِرقِنا وفي كنائسنا وفي كنيسة الله/جسد المسيح،
كُلّ هذا كي تعلو كلّ بناية صغيرة نبنيها وتكمُل (لا لنفتخر بعلوّها بل لتؤدي دورها)
وهذه البنايات جميعاً ومعاً ستكوِّن قريةً صغيرةً في ملكوت بدأ الله الظاهر في الجسد في بنائه منذ ربط مصيره بمصير كلّ البشريّة، بل كُلّ الخليقة حين أخلى ذاته آخذاً شكلنا، حين تزوّج بشريّتنا وكلّلنا بألوهيّته

التسميات:

الاثنين، مايو ٢٢، ٢٠٠٦

كيف ستكون صيغة الشعار الجديد باللغة العربيّة؟

أخاف من الترجمة الحرفيّة
أخاف من تناسي أُسُس الصياغة العربيّة لأنّ صياغة الشعار في شكلها الفرنسيّ لا تقابلها تركيبات عربيّة.

مثلاً، الترجمة الحرفيّة المنطقيّة ستكون:
واثقين في أساساتنا، نبني حجراً على حجر، سيكبر العمل...

لكن، مبدئيّاً،
الحال "واثقين في أساساتنا" لا يمكن تقديمها على الفعل في اللغة العربيّة.
ثم، نأتي لترجمة المفردات...

- Sûrs: يقين/ثقة/ تأكّد؟ بالنسبة لي هي ثقة ويقين
- fondations: أساسات/ أُسُس؟ حيث إنّ الصورة الكليّة هي صورة بناء، فالأساسات هُنا أدقّ من "الأُسُس"...
- pierre à pierre: حجراً على حجر أم "طوبة على طوبة"؟
- l'ouvrage: أراها مشكلة كبيرة في الترجمة. هل هو "عمل"؟ عمل إيه؟ هل هو بناء أو مبنى أو بناية؟ هل "بناء" ستحدد من أنواع "العمل" المختلفة؟

ليست لديّ اقتراحات واضحة حالياً، لكنّ المهمّة لن تكون سهلة وستحتاج لصيغة مبدئيّة تعقبها فترة صلاة وتجربة للشعار في المعسكرات الصيفيّة...
ّ

التسميات:

شعار ٢٠٠٦؟ انطباعات

هذه هي الانطباعات الأولى التي نمت بداخلي لدى سماع الشعار الفرنسيّ المقترح نقله إلى العربيّة ليكون شعار ٢٠٠٦-٢٠٠٧...

Sûrs des fondations,
Construisons pierre à pierre:
L'ouvrage sera grand

الانطباعات والأفكار تلغرافيّاً:

- لسبب ما وصلتني العبارة الأولى كأنّها sûrs de nos fondations، وأوحت لي شيئاً ما بالإيمان/ اليقين/الاطمئنان إلى الأساس القويّ المبنّي عليه شخصيتاتنا وإيماننا وكذلك أهدافنا و وسائلنا في النشاط، لكنّني انتبهتُ لاحقاً أنّ الأساسات ليست "أساساتنا"، بل أساسات غير محدّدة، قد تكون أساساتنا وقد تكون أساسات غيرنا...

- أوّل مقطع جديد جدّاً، ومتميّز جدّاً...
يقين
يقين
اطمئنان
يقين يقود إلى البناء بثقة وبرجاء في النتائج

- متأكد أنّ الأساسات لن تخذل البناء..
من وضَع الأساسات؟ غالباً لستُ أنا.. ربّما الجيل الماضي، ربّما آخرون في العام الماضي، ربّما في التاريخ، ربّما "سحابة من الشهود"، ربّما خط لا ينقطع من الشهود/ البنّائين/

- تكوّنت لديّ صورة كلّية سريعة عن الكنيسة... "مبنيين كحجارة حيّة"، "أساساته في الجبال المقدّسة"، كنيسة رسوليّة، مبنيّة على أشخاص يشهدون عمّن رأوه وسمعوه وعن قيامته منذ ٢٠٠ عام وحتّى اليوم بلا انقطاع... كنيسة لا تخلو من أزمات لكنّها تحتاج للكثير من البناء. هذه الصورة بالتأكيد ليست الهدف من الشعار .. لكنّها جاءتني.

- المقطع الأوّل لا يخلو من مخاطر... قد يقود لرجعيّة/ أصوليّة. قد يوحي أنّ "الثقة في الأساسات" تعني أنّ "كلّ جديد بدعة"...

التسميات:

الاثنين، سبتمبر ٠٥، ٢٠٠٥

المثل المنسيّ

أعتبر المثل التالي للمسيح أكثر الأمثال المنسيّة في الإنجيل. نادراً ما أسمع أحد يستخدمه، وبالتالي فأثره على "البستانيّة" أقل كثيراً من أمثال الزارع أو الفعلة في الحقل أو حتّى الحصاد الكثير

إليكُم يا سادة، مرقس٤: ٢٦-٢٩
وقال .هكذا ملكوت الله كأن انسانا يلقي البذار على الارض
وينام ويقوم ليلا ونهارا والبذار يطلع وينمو وهو لا يعلم كيف .
لان الارض من ذاتها تأتي بثمر .اولا نباتا ثم سنبلا ثم قمحا ملآن في السنبل .
واما متى ادرك الثمر فللوقت يرسل المنجل لان الحصاد قد حضر
لماذا يا ترى هذا المثل منسيّ؟

من له أذنان للسمع فليسمع.. وليجِب السؤال :)

انطباعات مجّانيّة عن البستان المحروث(س)ـ

انطباعات مجّانيّة عن البستان المحروث(س)ـ
١) قبل القراءة

تصدير
من خبرة الآيّام القديمة الممزوجة بصدأ السنين،
أحاول التعامل مع الشعار بطريقة "الدقة القديمة"،
أي الطريقة الوحيدة التي أعرفها، والتي-إن تمسكتُ بها-قد ألعب دور عجوز الفرح
وإن تخلّيتُ عنها، قد أصير بالقطع الأراجوز الراغب في التقرب للأجيال الجديدة دون دراية بلغتهم.
لا مناص إذن من أن ألعب دور "جدو" (المعضّد باسم المدوّنة "كُنتُ في أغصان الكرمة" في الزمن الماضي)، ولا مناص أن أنشئ بما أكتبه حواراً. فما أسخف جدو يكلّم ابن العصر مستخدماً مفردات هيفائيّة، وما أسخف جدو يرفض الإنصات لابن العصر بسبب مفرداته الروتانيّة.
وهكذا تدور عجلة الحياة

تذكير
ما هي طريقة الدقّة القديمة؟
عندما كان يأتينا الشعار الفرنسيّ، كُنّا نتناوله كـ"نعمة وتحدّي" (لا تقدِّم كلمة تحدّي هنا أيّةإضافة، فكلّ نعمة هي تحدٍّ)...
كان ما يجب علينا تحديده أولاً هو:
١) ما هي الصورة الكليّة؟ والصورة الكليّة بلغة الأدب هي الصورة المتّصلة التي ترسمها الكلمات معضّدةً باللون والصوت والرائحة إلخ...
والصورة هي "التيمة" التي ستنبع منها كلّ شكليّات الشعار ونماذجه
٢) ما هي الكلمات المفتاحيّة في الشعار؟
هذه الكلمات عادةً ما تكون تمييز ثلاثة أقسام (تعبّر عن المحاور الثلاثة للنشاط: الانتباه للحياة/ تربية النظر/ تربية الاختيار)؛ وإلى جانب الأقسام الثلاثة نبحث عن ثنائيّات شهيرة مثل: الله والعالم؟ كيف يمثّل عالمنا هذا العام وكيف يقدّم الشعار البعد الإلهيّ ليلتحم بالعالم في نشاطنا ذي الروحانيّة التجسديّة؟
٣) أين الصيحة في الشعار؟ كيف سيكون الشعار حافزاً لتحريك الأغصان طوال العام وإلهامهم؟ وهنا تجدر النظرة لبناء الجملة ككلّ، وصياغتها، والأفعال المستخدمة فيها (في أيّ زمن هي، وهكذا)...
٤) وأخيراً، نحدّد أيضاً عيوب الشعار ونقاط ضعفه لننبّه عليها كثيراً في الشرح، أو بتحوير ترجمة إحدى الكلمات (هذا لأنّني-كما ذكرت-أتحدّث عن شعارات مستوردة من فرنسا).

استيراد فتمصير
كان علينا أن نحدّد لاحقاً، بعد التمعنّ في منطوق الشعار، لماذا وُضِع بهذا الشكل في فرنسا.
فكنّا نميّز بين احتياجات خاصّة بالفرنسيّين واحتياجات عامّة. ومعنى "لماذا وُضِع الشعار" هو:
١) ما الاحتياجات التي استهلّ بها واضعو الشعار دورتهم الطويلة.
٢) ما هي النصوص الكتابيّة التي استندوا عليها.
٣) ما هي الرسائل الخاصة التي انتقوها وقرّروا توصيلها في العام.
وعند دمج هذا باحتياجاتنا نحن في مصر (التي نخرجها في الجمعيّة العموميّة والتقييم)، نخرج بشعار رشيق مناسب عادةً..

التمصير مهم، لكنّ الاستيراد كان مهمّاً لحرفنة الفرنسيّين. وبالحرفنة أعني عدّة أمور:
- قاعدة عريضة من واضعي الشعار.
- خبرة سنين وسنين في ذلك العمل.
- مدّة طويلة في جوّ من الصلاة والتفكير ملفوف بالهدوء (أعتقد أنّ دورة وضع الشعار تتجاوز الأسبوع، لكنّني لست متأكّداً).
وتترجم هذه "الحرفنة" إلى توازن بين محاور النشاط الثلاثة، وإلى توازن بين الأفعال التي تدفع للحركة والكلمات (ربّما أفعال أيضاً) التي تحقّق أهدافاً أخرى، وهكذا...

وعن الشعار الأخير؟
أصل هنا إلى مربط الفرس من هذا الجزء الأوّل من الانطباعات الأوليّة...
ما الذي ولّده الشعار لديّ من أفكار ومشاعر، وكيف مرّ باختبار "الدقّة القديمة"؟

يقول لي الشعار:
فرصة... نداء... إن سمعتم صوته لا تقسوا قلوبكم... بما أنّها فرصة فهي أيضاً أوكازيون، فرصة/لقطة/تخفيض/ بل بالمجان، لكنّها قد لا تدوم. استفِد بها قبل أن تضيع أو تمضي...

بستان مجاني/نستقي ونحرث/ ننمو وتزهر الحياة

لغة تلغرافيّة قليلاً. هناك بستان، مطلوب أن نستقي ثم نحرثه أو نستقي ونحن نحرثه، وفيما يبدو أنّ النتيجة ستكون أن ننمو نحن وتزهر الحياة فينا وفي البستان. أو كي..

ماذا عن الاختبارات الأوليّة؟
١) الصورة الكليّة:
بستان والكلمات التي تقويّها: الحرث، النمو، الإزهار، الحياة. الكلمة الغريبة قليلاً كما أوضح ميلاد هي "نستقي" التي تعني غالباً نروي ونرتوي. لكن لا بأس، الصورة الكليّة متناسقة.

٢) الكلمات المفتاحيّة؟
بستان/ نستقي/ نحرث/ ننمو/ تزهر
الله: ممثل هنا في الحياة، وإلى حد ما في مجاني
الأفعال: نستقي/نحرث/ننمو/تزهر
٣) الصيحة: فرصة+الأفعال: تحركوا إذن!
واضح أنّ كلّ كلمة هي مفتاحيّة تقريباً (لذلك فالشعار تلغرافي، لا يحمل كلمات ربط).

٤) عيوب؟
أشعر-كما شعرت إزاء الشعار السابق-ببعض الزحام.
أحاول التقاط المحاور الثلاثة:
الانتباه للحياة: بستان مجاني
تربية النظر: مش عارف بالضبط، معلوماتي القديمة تقول لي إنّ تربية النظر هي في النظرة العميقة لما في حياتنا وأراضينا (يعني البستان) من مزايا وعيوب، من فرص وتحديات، والنظرة العميقة المعضّدة بنظرة المسيح هي التي تجعلنا: نجد الله في البستان/ نجد النداءات/ نميّز من بين النداءات ما هو النداء لنا
تربية الاختيار: كاستكمال للتمييز، نختار النداء الملائم أو حتّى البستان الملائم كي ننمو وتزهر الحياة. لا يمكن أن ننمو في كلّ مجال ولا أن نسقي ونحرث كلّ جزء في البستان وكلّ بستان في الأرض. إذن، يبدو لي أنّ تربية الاختيار هي: نختار ما نحرثه وننتظر أن ننمو وتزهر الحياة.
آه.. هنا أجد تربية النظر، التي صارت كامنةً خفيّةً كالعادة في الشعارات.
تربية النظر إذن هي أن نرى الحياة تزهر فينا. لكن، وسأكرّرها حتّى أبدو كالزنّان، أين الفعل! أين الفعل الذي يجعلنا ننظر أو يدعونا لتغيير نظرتنا؟ أين عمل الله المغيّر في الشعار؟ ستزهر الحياة طبعاً وهذا من فضل ربّي، لكن ماذا سيفعل الله لنا بين الحرث والنموّ؟ ثلاثة أفعال (وهو كثير جداً) تدعونا لأعمال: نستقي/نحرث/ ننمو. أضف إليها فعل: استغلّوا الفرصة. لكن، فين تربية النظر؟ موجودة لكن لا فعل لها.

الآن تتكوّن لديّ صورة أوضح قليلاً-ولمّا أقرأ الشرح بعد-وهي:
فرصة ذهبيّة. فرصة ونداء. نداء وتحدّي.
أنت بستان، وحولك بساتين. أنت فاعل تعيش في بستان مع فعلة آخرين ونباتات وبذور وأراضٍ.
اتحرّك واتلحلح وافهم بستانك وانتبه له، اسقِه واستقِ أنت كمان، احرثه، وانظر وانتظر. ستنمو أنتَ وستزهر الحياة؟ كيف؟ الله سيفعلها.
متى ستدرك ذلك خلال العام؟ المفروض طبعاً في نصف العام، بين اكتشاف البساتين وما بها يحتاج لريّ وحرث، وبين النمو.
كيف سيحدث هذا وأنت لست تملك فأساً؟
الروح القدس يحلّ عليك، وقوّة العليّ تظللك، والفأس التي في يدك تدعى فأس الرب! يعني إيه بقى؟
يعني أنت ستقدّم يدَيْك واستعدادك، وستقول لله: نعم أريد أن أستغل الفرصة، فافتح عينيّ لأميّز وأرى حقلي وبستاني. وستغيّرك كلمة الله، وروحه يحلّ فيك فيجعلك تدرك أنّك بينما أنت تستقي وتحرث ستزهر الحياة فيك قبل أن تزهر في بستانك، وأنّ الهدف في النهاية هو أن تزهر الحياة في كلّ مكان.
لكن... حذارِ..
حذارِ أن تظنّ أنّك البستانيّ أو الزارع، فأنت أيضاً البستان، وأنت مجرّد فاعل.
حذارِ أيضاً أن تتوقّع بستاناً مليئاً بالثمار والورود، فكلّ ما عليك هو أن تبذر، وقد يحصد آخر، وقد ينمو قمح ومعه زؤان، وقد لا ينمو شيئاً.
حذارِ أخيراً أن تترقّب الثمار بلهفة، فملكوت الله لا يأتي بمراقبة، وأنت تزرع وتنام، فتفاجأ بالله الذي نمّى الزرع والعشب.

كانت هذه قراءتي لمنطوق الشعار،
ولأذهبنّ الآن فأقرأ الشرح، علّي أفهم وأستفيد وأستزيد

التسميات:

الأحد، أغسطس ٢٨، ٢٠٠٥

شعار 2005-2006 (شرح مبدئيّ)ـ

جاءتني الرسالة التالية، أنشرها بلا تعديل (وربّما تصويبات طفيفة) لتسهيل القراءة والمناقشة. ربّما أضيف البعض لاحقاً.
الانطباع الأوّل جداً: شعار جميل ولكن نزعة "غياب تربية النظر نصّاً" والتي لاحظتها في العام الماضي لا تزال مستمرّة.


تحذير: هذا الشرح ليس الشرح الرسميّ ولا يمثّل رؤية لجنة وضع الشعار، بل هو مجرّد مسوّدة مطروحة على المائدة المستديرة.

فرصة!
بستان مجاني،
نستقي ونحرث
ننمو وتزهر الحياة
ـ(شرح مبدئي)ـ


بستان مجاني (في حقول العالم)

البستان هو مكان العمل والزراعة. وفي حياتنا البستان هو العالم الذي نحيا به: بدءاً من عالمي الصغير(بيتي- مدرستي- عملي- كنيستي-...) ووصولاً إلى العالم الكبير (الذي نتعرف عليه عبر وسائل الإعلام). البستان مجاني لأنه معطى لنا من الله لكنه غير كامل ولذلك يحتاج إلى عمل مستمر ومتواصل، يحتاج أن يشمر كل شخص عن ساعديه وينغمس في العمل.
في البداية نتجول في البستان حتى نتعرف عليه ونكتشفه، نتفرج على تفاصيل البستان فنكتشف جماله من ورود وخضر وثمار وأشجار راسخة. وننظر لتفاصيل العالم فنكتشف جماله في تفاصيل الحياة البسيطة والجميلة (الشروق- الأطفال- أعمال بسيطة مؤثرة يقوم بها الناس من حولي...) أي نبحث عما هو إيجابي ومفرح في الحياة ولدى الناس. وعندما نتفرج على البستان، سنكتشف أيضاً القبح والزرع المهمل والزرع الشيطاني والأشواك والأرض الجافة. وننظر لتفاصيل العالم فنكتشف قبحه في وحدة أحد زملاء الدراسة، في الهوة الواسعة بين غني وفقير، في قدرتي المحدودة على الحب...
وهناك عدة مواقف قد نتخذها من البستان في أوقات مختلفة: فقد نسير به دون أن ننتبه لتفاصيله أو قد نرى كل ما هو جميل فيه فقط أو كل ما هو قبيح فقط أو قد نرى المنظر الكامل بواقعيته. فعندما ننظر للبستان، علينا أن ننظر نظرة محايدة، معتدلة وواقعية. نظرة ترى الإيجابي فتفرح وتستمتع به، وترى السلبي فتقف عنده للتساؤل أو للتعلم منه.
ملحوظة: هذه بالطبع نقطة بداية فقط، فلا نستطيع أن نتوقف عند دور المتفرج.
لكني لست وحدي المتجول في البستان، فهناك آخرين مثلي قد أعطى لهم البستان أيضاً.

في الفريق:
نتساءل عن حالة البستان عندما أعطاه لنا الله؟
هل البستان جميل حتى الآن؟ أم تغير؟
هل أشعر بالانتماء تجاه هذا البستان أم باللامبالاة؟
كيف أعيش في البستان أي ما هو موقفي منه؟

نصوص:
من كتاب حدثني عن الحب: (الكتاب غني بالنصوص التي تمس الشعار)
1- انظر واسمع فالتزم

نستقي ونحرث (نحرث ونرتوي)

أن أحرث حقلي الخاص لأعده للزراعة: فأُقلبه، وأنزع منه الأعشاب الضارة، وأفكك الحبيبات الملتصقة ببعضها، وأعرضها للشمس لقتل الآفات التي فيها.
حقلي الخاص هو أنا، هو ذاتي بكل ما أنا عليه، بكل توجهاتي ونظرتي للعالم، بكل إمكانياتي المعروفة والمجهولة.
عملية الحرث هي عملية تقليب الأرض، أحرث نفسي لأكتشف: نظرتي الحالية للعالم، إمكانياتي، وما هو المطلوب مني في العالم؟
في الحرث:
* أقوم نظرتي للعالم: لله، للآخرين ولنفسي: فأنزع كل ما بها من شوائب وأعشاب ضارة ظهرت مع الزمن. "الإنسان الجديد"
* أكتشف إمكانياتي (قدرتي الكامنة): هي البذور التي وضعها الله في أرضي، هي الإمكانيات التي تساعدني على النمو، على بلوغ ملئ قامتي لأصل إلى ما يجب أن أصل له ولأصبح الشخص الذي يجب أن أكون – حسب مشيئة الله لي – وهي أيضاً الإمكانيات التي إذا استطعت أن أرعاها وأنميها أعطيت ثمراً. هذه الإمكانيات والطاقات هي نعمة وهبة من الله وعلي أنا أن أنميها وأرعاها حتى تؤتي بثمر بدلاً من أن تموت في الأرض.
* أتساءل ما هو المطلوب مني في العالم: كيف يمكنني أن أوظف إمكانياتي هذه حتى – مع الله والآخر- نصل إلى الحياة الأفضل. أتساءل عن نوعية العمل المطلوبة مني – حسب إمكانياتي- وعن احتياجات البستان(حقول العالم) حتى يصبح جميل فأجمل: هل يحتاج أن يسقى، أن أنزع منه الشوك، إلى أي بادرة حب يحتاج؟

نستقي (نرتوي)

في الحرث أجهز أرضي لاستقبال مياه الله حتى أرتوي منه، (تغيير النظرة، اكتشاف إمكانيات مجهولة، اكتشاف دعوة) أجهزها لاستقبال نظرته هو وحياته.
أن أسمح لربنا أن يحدثني عن نفسي والعالم والآخر هو أن أكون أميناً وملتزماً في حضوري أمامه من خلال الصلاة اليومية، أن أعطيه الوقت حتى يسقيني ويعبر لي عن حبه، أن أضع نفسي أمامه وأقدم له ذاتي ليفعل بي ما يشاء عالماً أن أرضي لن تزهر أو تثمر دون عنايته وحبه. الله يهتم بحقل كل منا ويريد أن تؤتي البذور التي وضعها فينا بثمر، لا لمصلحته بل ليكون لنا الأفضل. الله يعرفنا جيداً ويعرف حدود كل منا في إعطاء ثمر، لكنه مع ذلك ينتظر وكله حب ورجاء.
فينبغي لي أن أرتوي من الله حتى أستطيع أن أعطي ثمراً، حتى أكون عاملاً في بستانه (حقله). بدون ذلك يفقد العمل معناه القائم في الأصل على التعاون بين الله والإنسان للوصول للحياة الأفضل. فالله يعمل داخلي حتى أعمل في العالم.
ملحوظة: كما تحتاج الأرض للمياه حتى تنبت، كذلك نحن نحتاج الله لنحيا.

في الفريق:
* التزام واهتمام بالصلاة كوقت مجاني نخصصه لربنا.
* تعميق النظرة للبستان (حقول العالم): ما هي احتياجاته؟
* تعميق واكتشاف الإمكانيات الكامنة في كل عضو.
* تساؤل حول كيفية استخدام إمكانياتي للعمل في البستان ويترجم هذا التساؤل في تربية الاختيار إلى اختيار مشروع شخصي ومشروع للفريق.


نصوص مقترحة:
*مت 25: 14 -30
* صلاة القديس إغناطيوس دي لويولا (خذ يا رب واقبل)
*من كتاب حدثني عن الحب:
1- من نسى أن يصلي نسى أن يحيا
2- أعتبر مثل الشجرة
* السامرية: يو4: 1- 28

ننمو فتزهر الحياة (ننمو ونثمر)

هنا وتأتي نتيجة الاهتمام بحقلنا الخاص متمثلة في النمو الذي يترجم في صورة ثمار. في هذه المرحلة نبدأ العمل في البستان (حقول العالم)، نشمر عن ساعدينا ونبدأ. هنا يأتي وقت العمل، وقت ظهور الثمر.
نعمل مع الله مستخدمين ما وضعه فينا من إمكانيات، (نعمل على تنميتها من خلال العمل نفسه) نعمل مع الله في خدمة أخوتنا في العالم. فبعد أن نظرنا للبستان (الحقول) نظرة واقعية، ونظرنا لاحتياجاته ولإمكانياتنا نبدأ العمل. العمل هو في نفس الوقت نتيجة وثمرة للنمو لكنه أيضاً ينمينا في اتجاهات جديدة.

لماذا "فرصة"؟
العمل في البستان هو فرصة مطروحة على كل منا، والفرصة يمكن أن ننتهزها أو نتركها تضيع من أيدينا.
إذا حدث وقررت إنني لن أستمتع بالبستان ولن أكتشفه، إذا قررت ألا أتساءل عما يجب أن أفعله به وبالتالي ألا أعمل شيئاً (طالما لم أتساءل) أكون في الحقيقة أختار الموت وأرفض الحياة بكل ما فيها من أوجه جمال وقبح، أرفض أن يكون للحياة معناه أعطيه لها بعملي في البستان!
النمو هو دليل على تجدد الحياة فينا، على قولنا "نعم للحياة ونعم للعمل مع الله"!

في الفريق:
* تحديد المشروع الشخصي
* تحديد مشروع الفريق
* متى أختار النمو ومتى أرفضه؟ لماذا؟
* تأمل ومراجعة لعمل الله في طوال السنة (نموي)

نصوص:
من كتاب حدثني عن الحب:
1- تحتاج البشرية جمعاء إليك
2- التزم إذ أنت تنمو
شعار هذا العام هو دعوة للنمو من خلال اكتشاف إمكانياتي واستخدامها في خدمة الآخرين

التسميات:

الجمعة، سبتمبر ١٠، ٢٠٠٤

صلاة على مفارق الطُرُق

أبَتِ
إنّي أسلمُّك ذاتي
فافعل بي ما تشاء

ومهما فعلتَ بي
فأنا شاكِرٌ لك

إنّي مُستَعِدٌّ لكلّ شيء
وأرتضي كُلَّ شيء

ليس لي رغبةٌ أُخرى يا إلهي
سوى أن تكُملَ إرادتُكَ فيّ
وفي جميعِ خلائِقِك

إنّي أستودِعُ روحي بين يديك
وأهبُها لك يا إلهي
بكلّ ما في قلبي من الحُبِّ
لأنّ الحُبَّ يتطلّبُ منّي
أن أبذلَ نفسي
أن أودِعَها بينَ يديك
دونما قياس
وبثقةٍ لا حدّ لها
لأنّك... أبي
آمين

الأب/ شارل دى فوكو
مؤسس رهبنة الأخوة الأصاغر

الاثنين، أغسطس ٣٠، ٢٠٠٤

مطلوب خبراء في الرجاء: نداء لأغصان الكرمة هذا العام

عاجل.. مطلوب خبراء في الأمل

ها هو احتياج عاجل لبلد على مفارق طرق.. فهل من مجيبٍ؟
لا يعد نشر هذا اتفاقاً مع المقال لكن إعجاباً بعنوانه... خبراء الأمل.. خبراء الرجاء في مُقابِل خبراء الكآبة ومروّجيها. ما أشدّ حاجتنا لخبراء في الرجاء يعملون على تحصين المجتمع من الإحباط واليأس وما يلازمهما من عدوى وأعراض مَرَضيّة!


مقطع من خلاصة المقال (لإبراهيم المصريّ- من جريدة إيلاف)
العراق ليس بحاجة إلى خبراء ومحللي ومنظري الكآبة العرب وإن كانوا يحبون العراق فعلا ويريدون مساعدته فهذه قائمة عملية:
1ـ جامعات العراق تعاني من نقص في التجهيزات والمعدات والمراجع المعرفية والعلمية.
2ـ مستشفيات العراق تعاني من نقص في الأسَّرة.
3ـ مدارس العراق تحتاج إلى إعادة بناء وترميم.
4ـ لينسق محللو وخبراء الكآبة العرب حملة كبيرة من خلال مواقعهم و ( أسمائهم اللامعة ) لحث الحكومات العربية على المساهمة وبشكل فوري وفاعل في بناء منظومة جديدة للكهرباء في العراق لأن الاستهلاك على الكهرباء يزيد في العراق ساعة بعد ساعة بالمعنى الحرفي للكلمة ومن الأفضل أن يساهم العرب في إضاءة بيوت العراقيين بدلا من حثهم على المقاومة التي تتحول إلى أعمال إرهابية يرفضها العراقيون.
مطلوب.. خبراء في الأمل.. والعمل.. لا خبراء يتقاضى الواحد منهم مائتي دولار (.. وليس بأي عملة أخرى غير الدولار.. ) لقاء ظهوره على فضائية متحدثاً بأوداج منتفخة وبيقين لا يرف له جفن عن الاحتلال والمقاومة والمشروع الأمريكي في الشرق الأوسط.. بدون أن يفهم أن ثمة مشروعاً للإنسان العراقي له الحق أن يجد من خلاله رزقاً وأمناً وسعادة وتطوراً في بلده.. وأن المساهمة في مشروع الإنسان العراقي هذا حتى بكلمة الأمل يمكن أن يساهم وسوف يساهم في زوال الاحتلال

الاثنين، أغسطس ٢٣، ٢٠٠٤

يوحنّا المعمدان: شعلة روح على مفارق طرق التاريخ

اقرأ وعلّق على ما تقرأ بعد نهاية النص بالنقر على
comments
إن بدا على النص العربيّ بعض التشوّه خاصة مع وجود علامات الترقيم، انقل النص كله إلى "وورد" والصقه بلا تنسيق باختيار "لصق خاص... نصّ غير منسّق". سيصير أسهل للقراءة.

يوحنّا المعمدان: شعلة روح على مفارق طرق التاريخ

في ملء الزمان، نظر الله -قلب الوجود ومصدر الحبّ- إلى الأرض فوجد البشر كخراف لا راعي لها
نظر الله من خارج الزمان إلى مفارق طرق الزمان، فوجد البشر يئنّون لندرة الحب
صعد صراخ المساكين من الأرض: "افتقد يا ربّ شعبك"
تأوّهت القلوب التي تعرف إلهاً في السماء، وساءلته أن ينزل من سمائه ويسير وسط شعبه
وقلوبٌ أخرى لم تعرف مكانه كانت عطشى إلى الحبّ كما تعطش أرض مشققة إلى ماء حياتها

ونظر جميع "المراقبين والخبراء" من رجال الدين وحكماء الزمان، فلم يرَوْا أيّة بوادر تحسُّن
ولم يرَوْا أيّة علامة على أنّ الإله -الذين درسوه وعرفوا طرقه- مُزمِعٌ أن يفتقد شعبه في الوقت الراهن...

إلاّ أنّ شابّاً نذره أبوه من البطن وافتقده الروح كانت له رؤيا أُخرى،
قرأ الشابّ في سفر أشعياء، نبيّ الرجاء، كلماتٍ أوقدت قلبه النابض:

صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: «أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلاً لإِلَهِنَا. كُلُّ وَطَاءٍ يَرْتَفِعُ، وَكُلُّ جَبَل وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَيَصِيرُ الْمُعْوَجُّ مُسْتَقِيمًا، وَالْعَرَاقِيبُ سَهْلاً. فَيُعْلَنُ مَجْدُ الرَّبِّ وَيَرَاهُ كُلُّ بَشَرٍ جَمِيعًا، لأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ». أش 40: 3-5

الشعب الجالس في الظُلمة...
أعِدّوا طريق الربّ؟!
ماذا يعني إعداد الطريق في ذلك الوقت بالذات؟ الجميع يشتكون من اشتداد الظلام، والأرض تبدو مقفرة جرداء.
كان الشعب العبرانيّ العائد من السبي في حالةٍ لا يُرثى لها. فبعد أمجاد الماضي التليدة، وبعد فترة السبي المؤلمة والخلاص منها، صاروا مُحتلّين من جديد، وكانت الدولة الرومانيّة الطاغية بهيئاتها وبالحكومات المحليّة الموالية لها تفرض كافة أنواع القهر والمظالم عليهم. كان الشعب الإسرائيليّ الفخور بنقائه مقسمّاً إلى يهود وسامريين. وكان اليهود يعتبرون السامريّين شبه خونة، التصقوا بالأمم الأخرى وتنجسوا بالذبح لآلهتهم، بل ولا يبدو أنّهم يوقرون هيكل سليمان، فخر اليهود.
فكِّر أيّها القارئ بشكل مُعاصر. الهيكل ليهود ذلك الزمان كالكعبة لمسلمي اليوم. واليهود يحرسون الهيكل ويفتخرون به كما يفعل السعوديّون بالكعبة، حرم المسلمين.
إلى جانب تمزّق الشعب الذي يفتخر بكونه شعب الله المختار سليل الأنبياء، ورزوح ذلك الشعب الأبيّ تحت الاحتلال الرومانيّ، وتحت حُكم هيرودس الأدوميّ، كان اليهود أنفسهم مُقَسّمين إلى فرق. قبِل البعض النظام الحاكم وصاروا -بالتبعيّة- النُخبة والصُفوة، وكان هؤلاء هم الكهنة والصدّوقيّون (تلك الطائفة التي تتخذ من التوراة والمزامير كُتُباً مُقَدّسة دون غيرها من كتب الأنبياء، والتي لا تؤمن بقيامة الأموات). كذلك تعاوَن البعضُ بشكلٍ أكبر مع الاحتلال الروماني، ونظام الحُكم الموالي له، وكان على رأسِ هؤلاء العَشّارون الذين جبوا الضرائب الطائلة لصالح الاحتلال، وبالطبع أخذوا لأنفسهم ما تَيّسر من عُمولاتٍ ورُشىً، فكانوا بلُغَة عصرِنا هذا يمثلون "البيروقراطيّة الفاسدة".
ووسط قهر الاحتلال، وتواطؤ الحكومة المحليّة معه، وفساد الطبقة الوُسطى، خرج رجال مخلصون من المذهب الفريسيّ ينادون الشعب بالعودة للدين. قرأ الفريسيّون التوراة والأنبياء، وعرِفوا إنّ ما يحدُث للشعب هو غالباً ضريبةً لفسادهم وزيغانهم عن طريق الربّ وعن سيرة السلف الصالح. فمتى تعود أيّام موسى وداود؟ لا بدّ للشعب أن يتنقّى. فنادى الفريسيّون بالعودة لتطبيق الدين وتنفيذ ما أهمله الشعب "المتسيّب" من وصايا وتعاليم، مركّزين -بالطبع- على التعاليم السهل مراقبتها: الطهارة وغسيل الأيدي والعشور وأداء الصلاة في أوقاتها والبُعد عن النجاسة، ولا سيّما تفادي السير مع الخطاة والزواني وتفادي العشّارين.
لم يكُن الفريسيّون معادين للاحتلال، لكنّهم لم يقبلوه أيضاً بالشكل الذي كان الصدّوقيّون يفعلونه.
وفي الوقت نفسه، دعا آخرون إلى نبذ المُجتمع، وإلى الكفاح المسلح ضد الاحتلال. فإنّ ربّ موسى وداود لم يشأ أن يبقى شعبه المُختار في العبوديّة. فكثُرت جماعات الغيورين الذين رفضوا التعاون مع المُجتمع الحالي بأيّ شكلٍ من الأشكال، وأرادوا الثورة المسلحة على سطوة الرومان.

صوت في البريّة.. طريق في القفر.. نور يشرق في الظلمة...

يُتبع

وعد عند المفارق

اقرأ وعلّق على ما تقرأ بعد نهاية النص بالنقر على
comments
إن بدا على النص العربيّ بعض التشوّه خاصة مع وجود علامات الترقيم، انقل النص كله إلى "وورد" والصقه بلا تنسيق باختيار "لصق خاص... نصّ غير منسّق". سيصير أسهل للقراءة.

نداء عند المفارق

اقرأ وعلّق على ما تقرأ بعد نهاية النص بالنقر على
comments
إن بدا على النص العربيّ بعض التشوّه خاصة مع وجود علامات الترقيم، انقل النص كله إلى "وورد" والصقه بلا تنسيق باختيار "لصق خاص... نصّ غير منسّق". سيصير أسهل للقراءة.

لقاء عند المفارق

اقرأ وعلّق على ما تقرأ بعد نهاية النص بالنقر على
comments
إن بدا على النص العربيّ بعض التشوّه خاصة مع وجود علامات الترقيم، انقل النص كله إلى "وورد" والصقه بلا تنسيق. سيصير أسهل للقراءة.



على أنهار بابِل، هُناكَ جلسنا
بَكَيْنا عِندما تذكّرنا صهيون

البَيْتان السابِقان من سفر المزامير، التي تشمل مزامير داود وغيره، والأخيرةُ تُعرَف في الأدبيّات الإسلاميّة بالزَبور

البَيْتان السابِقان تنبعِث منهما موسيقى عجيبة.. حزينة لا تخلو من رجاء وإيمان.. شجن موسيقيّ عجيب، ألهم الكثيرين بلا شكّ في مشاعر مصاحِبة للتوبة.
لكنّه يُلهِمُني أيضاً حين أمُرّ بمشاعر التذكّر...
ومِنَ العجيب أنّه ألهَمَ كاتِباًَ مُعاصِراً، هو باولو كويليو، البرازيليّ الأصل، المُنَتَميَةُ كِتاباتُه إلى فِكر "العصر الجديد"... فكتب باولو رِوايةً عُنوانُها: على نهر بييدرا هناك جلست وبكيت

على أنهار بابِل هُناك جلسنا
بكَينا حينَ تذكّرنا صهيون

على مفارق الطرق هُناك جلستُ
بكَيتُ حين تذكّرتُ حياتي
وهُناكَ قابلته على تِلك المفارق نفسِها

قُلتُ له -أكانَ ذلِك قبل أن ألقاه أم بعد؟ لستُ أعلم-
قُلتُ له أو لنفسي أو لِمَن اشتهته نفسي:
لم أعُد قادِراً على الإمساك بدفّة حياتي
لم أعُد أعرِف حتّى أن أسيّرها
لا أستطيع الإلمام بتفاصيلها
تتسلّل بَيْنَ يديّ كرمالً الشطّ ساخنة، ومياهٍ البحر الفاتِرة،

كُلّما دَسَسْتُ أنفي في حياتي أَفسَدتُها
واليَوْم لا أريدُ أن أسير
ما أشبَه الليلة بالبارِحة
وما أشبَه الدرب المُقبِل بالدربِ المُدبِر
مللتُ السعيَ وراء السراب
خاصّةً وأنا أعلمُ أنّ هُناكَ ما هو أفضل من السراب
أعلم؟
رُبّما ليست هذه الكلمة المناسبة..
أشعُر؟؟
ليَسَ مُجرّد شعور
أتمنّى؟ أحلم؟ أطلب؟ أريد؟ أرغب؟ أصبو؟
أرجو!
ألعلني أرجو مياه بعد السراب
ألعلني أرجو الحياة
الحياة

على مفارق الطرق هُناك جلستُ
وبكَيتُ حين تذكّرتُ حياتي
وهُناكَ قابلته على تِلك المفارق نفسِها

ولا أعلم حتّى اليوم كيف قابلته
ولا كَيْفَ أُقابِله ثانيةً...
ولا أعرف إن كنت سأرحّب أم أهرب إن باغتني على المفارق
لكنّني قابلته
لم يكُن وهماً
لم يكُن حُلماً

ما زِالَ مسار دموعي الساخنة محفوراً على خدّي
ما زالَ صوتُ صُراخي الصامت مدويّاً في صدري
ما زالَ صدى إصغائه يهِِزّ الفضاء الساكن
ولَمْ أكُن أُدرِكُ أنّ للإصغاء قوّة وصدى ورنين
أعلى من قعقعة الرعود وأخفَت من صوتِ البُحَيْرةِ الساكنة

هُناكَ قابلته
وهُناك سمعني
"سمِعَ من هيكله صوتي" وتقبّل ذبيحتي
جاءت تلك النار الكلاسيكيّة من السماء
وأحرَقَت ذبيحتي المسكوبة

إِنْ كُنتُ تسلّمني حياتَك على المفارق
فأنا سآخذها
لكنّني سأتركها معك أمانةً
فسِرْ وتَوَقّف
وتَوَقّفْ سائراً
لأنّني مَرَرْتُ بِكَ على مفارِق حياتِك
وكان زمَنُك
-بالصُدفة المُدبّرة-
- بالنعمةِ المُحرِّرة-
زَمَنَ الحبّ


وقفة عند المفارق

اقرأ وعلّق على ما تقرأ بعد نهاية النص بالنقر على
comments
إن بدا على النص العربيّ بعض التشوّه خاصة مع وجود علامات الترقيم، انقل النص كله إلى "وورد" والصقه بلا تنسيق باختيار "لصق خاص... نصّ غير منسّق". سيصير أسهل للقراءة.



وقفة عند المفارق

مفارق الطرق فرصة ذهبيّة للتوقف. فإن كان التوّقف على الطريق مخاطرة وإضاعةً للوقت، فالتوّقف عند المفارق هو الحكمة بعينها، فالتروّي عند المفارق خير من الضلال.

والوققة لها معنى خاص ولها شطر مهم من المشروع التربوي لنشاط أغصان الكرمة. الوقفة في نشاط أغصان الكرمة تعني مراجعة الحياة، وتعني الدخول إلى المخدع للصلاة وللإصغاء، وتعني تدوين كلّ ذلك في ما يُعرف بالأسبوعيّات.

وقفة في فجر التاريخ

الوقفة.. مراجعة الحياة.. ممارسة قديمة قِدَم النتاج الفكريّ الإنساني: فنقوش كهوف ما قبل التاريخ قد تُعدُّ مثالاً نموذجيّاً على مراجعة الحياة، مارسها الإنسان الأوّل ليسجّل ما شاهده في الطبيعة وما أنجزه من أنشطة كجمع الأعشاب وصيد الحيوانات أو ترويضها.
ومراجعة الحياة هي لُبّ النشاط الذي عُرِف في ما بعد بالتأريخ، وصار علماً له أصول وقواعد ومدارس.
لكنّ مراجعة الحياة هي أيضاً قد تكون النشاط الذي قاد الإنسان إلى ذلك الطريق الداخليّ، حيث التقى تساؤله عن سرّ وجوده وسرّ إدراكه لوجوده بمبادرة من مصدر وجوده. وحسب إيماننا، التقت تساؤلات الإنسان بمبادرات الله الكاشف عن ذاته الناطق بكلمته الأزليّة، فنشاًت الأشكال المُختلفة للروحانيّة والأديان بل والسحر أيضاً.

يقول عالم النفس والكاتب الألمانيّ الأصل إريك فروم إنّ الإنسان تميّز عن بقيّة الكائنات بإدراكه وجوده وتاريخه، وإنّه -نتيجة لذلك الإدراك- قد أدرك أيضاً انفصاله/تميّزه عن الطبيعة بل وعن مصدر الوجود، ذلك الانفصال الذي اختاره الإنسان بتمرّده على قانون الطبيعة (الذي يعتبره فرومّ الخطيئة الأصليّة). ونتيجة ذلك الانفصال بقي الإنسان في حاجة مستمرّة إلى اللقاء بالآخر، وإلى البحث عن الآخر المُطلق بأشكالٍ مختلفة من العبادة البدائيّة.
Erich Fromm, The Art of Loving

على مفارق الطرق في التاريخ إذن،اختار الإنسان، ذلك الكائن المماثل للحيوانات في ممارسات كثيرة، اختارَ أن يتوقّف: وقفة إدراك وبحث ووعي. وبالرغم أنّ كلام إريك فرومّ فلسفةٌ فوقَ-طبيعيّة لا يُمكِن إثباتها أو نفيها بأيّ وسيلة علميّة أو عمليّة، إلاّ أنّه يجد صدى في قلبي كما أنّه لا يتعارض بشكل جذريّ مع أيٍّ من ديانات الشرق والغرب. والعلم التجريبيّ لم يُعارض بعد مزاعم فرومّ ولا الأديان في أنّ الإنسان متميّز عن الكائنات الأخرى بهذا الشكل من الوعي بالتاريخ، والقدرة على تغيير مساره، بل والقدرة على التوّقف. الإنسان -على حدّ علمي- هو الكائن الوحيد الذي أثبَتَ أنّ لديه قدراً من حرّيّة الاختيار، والدليل على هذا هو مقدار التغيير الذي أحدثه على وجه الكوكب الذي يعيش فيه، سواء بالنفع أو الضرر لبيني جنسه.
لنسلِّم إذن بتلك الحقيقة مؤقّتاً، أنّ الإنسان تميّز بوقفة وقفها في فجر التاريخ، ومنذ ذلك الحين لم يكُفّ بنو البشر عن التوّقف وعن مُراجعة حياتهم وعن اختيار الكثير من الطرق دون غيرها، وربّما أيضاً اختيار أسباب هلاكهم أو نجاتهم من الهلاك.

وقفة في الزمان الحاضر

حديث التاريخ حديث "مُفَخَّخ"، أي حافل بالفخاخ حيث إنّه قد يكون تعميماً أو تعتيماً أو مجرّد كلامَ مصاطب لا وسيلة لنفيه أو إثباته، ولا نفع منه أو ضرر.
أمّا حديث الحاضر، فهو مَربَط الفرس، إذ أنّه يُسائلُنا ويدعونا ويتحدّانا.
متى تتوقّف؟
متى تتوقّف؟ هذا هو السؤال. كم مرّة في اليوم أو الأسبوع أو العام، تتوقّف لتُراجع حياتك؟ هل تعرف على أيّ طريق أنتَ؟ هل أنت أصلاً على دراية إن كنت على الطريق أم في الصحراء الجرداء؟
أسئلة ظريفة كلّها إن طرحتَها على غيري، لقارئ لا أعرفه، وربّما لن أعرفه.
لكنّها أسئلة مخيفة بمعنى الكلمة، حين أطرحها على نفسي؟
أين أنا من خريطة حياتي؟ هل أنا على طريق اخترتُها أما أنا مازلت في مرحلة ما قبلَ الطريق؟ هل لي خريطة أصلاً أم أنا هائم على وجه الغبراء؟ وإن كانت لي خريطة: فهل أنا على المسار أم خارجه؟ ومتى كانت آخر مرّة جدّدت الخريطة؟ ومتى كانت آخر مرّة قيّمتَ فيها مسار حياتي وقوّمته؟

وقفة.. المفارق وقفة إجباريّة اختياريّة. لا يُمكِنني بإمكانيّاتي البشريّة المحدودة المعروفة أن أسلُكّ طريقَينِ في آنٍ واحد. الوقفة إذن أجازة إجباريّة. صوتٌ يقول لي: سِرْ! سِرْ فالوقوف متعب للعقل والوجدان. اشغِل نفسك فالفراغ ملعون. إيّاك أن تُفَكِّر فالتفكير مزعج. وصوتٌ آخر يُسائلني: أينَ أنتَ؟ ألعلّي أعرف أين أنا. لماذا أنا هُنا؟ ما الذي أتى بي إلى تلك المفارق؟

الأسبوعيّات: وقفة الأغصان

يُتبَع