بضعة حجارة في بناية الشعار
الأساسات ليست جذوراً...
الصورة الكُليّة هذا العام تختلف تماماً عن صورة العام الماضي وعن صور سابقة زراعيّة، ولهذا لا يجب اختزال صورة "البناية" إلى صورة قديمة.
الجذور نوعاً ما شخصيّة ولكلّ شخص جذوره وهي جزء من الشجرة لا يتجزّأ فهي خارجة من البذرة نفسها، والنبتة تضرب بجذورها في العُمق وتزداد عمقاً وهكذا.
الأساسات مختلفة بعض الشيء: الأساسات تُصَبّ قبل البناء، وتنتهي قبل وضع الحجر أو قالب الطوب الأوّل. الأساسات من مادّة مختلفة تماماً، وهذا مقصود تماماً فهي الدُعامات التي تحمي المبنى من الانهيار والتي ترفعه بشكل ما.
الأساسات يُخَطِّط لها مهندس بدقّة ثم يتم خلطها وصبّها وهكذا... الجذور تنبت من ذات نفسها، بلا خطّة مسبقة وبلا رسم دقيق....
أمّا من ناحية ما قد تعنيه اللفظة، فأعتقد أيضاً أنّ "الأساسات" تُعطي طابعاً خاصّاً وتكسب شعار العام الحالي كثيراً من غِناه:
فنحنُ نبدأ العام والأساسات قد صِبَّت بالفعل. لا أحد يذكُر متى صُبَّت وكيف ولماذا.. جئنا فوجدنا هُناك أساسات، وها نحنُ مدعوّون للبناء عليها. جميل أنّ هُناك من وضع الأساس وهُناك من يبني واثقاً تمامَ الثقة أنّ ما يبني عليه متين ومضمون.
==
هل البِناء هو المَلَكوت؟
يَبدو أنّ بالشعار تلميحاً أنّ البناء هو الملكوت. أليسَ كذلك؟
مع ذلك فهذا التلميح يطرح تحديّاً لحظيّاً: هل نبني حجراً على حجر في عام واحد لبناء الملكوت؟ ولِمَ لا؟
أعتقد أنّ كُلّ شعار كَكُلّ مثل من أمثال المسيح هو عن مَلَكوت السَموات... ولكِن؟ هل أغصان الكَرمة مَدعوّون في ٢٠٠٦ أن يبنوا ملكوتاً واثقين في أساساته؟ ماذا عن بُناة المَلكوت مُنذُ دعا إليه المسيح؟
أظنّ أنّ علينا تقبُّل الثُنائيّة الخالدة: العَمَل هو الملكوت ولكنّ العمل أيضاً هو "مشروع" يجب "إتمامه" بشكل أو بآخر خلال العام.
أكثر ما يرِدُ بخاطري تجاه هذا هو عبارة بولس الشهيرة: "لأنّنا نحنُ عمَله مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدّها لكي نسلُك فيها".... نحنُ العَمل ونحنُ مدعوّون لـ"أعمال"... نحنُ "الحجارة الحيّة" في الكنيسة وكذلك نحنُ مدعوّون لوضع حجر على حجر لبناء "عمل" ما علينا أن نكتشفه خلال العام.
أخشى أن نُحَوِّل الشعار نوعاً ما من روحانيّة مندمجة في العالم تستقي منه نداءات الله وتصبّ فيه أيضاً عمل الله إلى روحانيّة "شخصيّة" هدفها أن نرث الملكوت معاً ونقبل خلاص المسيح الممنوح لنا. ليس من عيبٍ في الأخيرة لكنّها ليست روحانيّة الأغصان، وهي كذلك الروحانيّة السائدة في عصر الانفراديّة والاستهلاكيّة.. لسنا هُنا لـ"استهلاك" خلاص "شخصيّ" منحنا ابن الله إيّاه بدمه، بل نحنُ هُنا لأنّنا أغصان كرمته والفعلة والوكلاء والرُسُل والتلاميذ المدعوّون لمهمّة محددة واثقين في الأساسات التي بُني عليها إيماننا، واثقين في من دعانا، واثقين في تكويننا، واثقين في من سَبَقَنا إلى أعمال أُخرى، واثقين في غاية من أرسلنا: ملكوت أبيه...
إذن...
لأنّنا واثقون في من دعانا،
ولأنّنا واثقون في عمله وعمل أبيه،
ولأنّنا واثقون في من وصّل لنا رسالته،
ولأنّنا واثقون في "جماعتنا/كنيستنا" المبنيّة على أساسات متينة لا تخلو من ضعفات وخطايا،
ولأنّنا واثقون في التكوين الذي حصُلنا عليه حتّى هذه اللحظة،
ولأنّنا واثقون في أنّ لا بديل لنا (فإلى من نذهب وكلام الحياة الأبديّة لديه)،
لنذهب ونبني بنايةً صغيرة في ملكوت أبيه،
ولنذه ونُبنَى أيضاً بشكل جديد هذا العام...
لنبني جزءاً في شخصيّتنا، فننمو
لنبني فِرَقاً وجماعات من المؤمنين/الشهود/تابعي المسيح/رُسُله،
لنبني مشروعات حيثُ الاحتياجات مُلِحّة،
لنكُن نحنُ أنفسنا حجارةً حيّةً في فِرقِنا وفي كنائسنا وفي كنيسة الله/جسد المسيح،
كُلّ هذا كي تعلو كلّ بناية صغيرة نبنيها وتكمُل (لا لنفتخر بعلوّها بل لتؤدي دورها)
وهذه البنايات جميعاً ومعاً ستكوِّن قريةً صغيرةً في ملكوت بدأ الله الظاهر في الجسد في بنائه منذ ربط مصيره بمصير كلّ البشريّة، بل كُلّ الخليقة حين أخلى ذاته آخذاً شكلنا، حين تزوّج بشريّتنا وكلّلنا بألوهيّته
التسميات: شعار